الشيخ محمد رشيد رضا

66

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ » يعني أضللتم منهم كثيرا . وكذلك قال مجاهد والحسن وقتادة ا ه فالاستكثار هنا أخذ الكثير لا طلبه كقولهم استكثر الأمير من الجنود أي أخذ كثيرا وفلان من الطعام أي أكل كثيرا . والمراد انهم استتبعوهم بسبب اضلالهم إياهم فحشروا معهم لان المكلفين يحشرون يوم القيامة مع من اتبعوهم في الحق والخير أو في الباطل والشر ( وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ) أولياؤهم هم الذين تولوهم أي أطاعوهم في وسوستهم وما ألقوه إليهم من وحي الغرور ، والاستمتاع طلب الشيء لجعله متاعا . أو جعله متاعا بالفعل . والمتاع ما ينتفع به انتفاعا طويلا ممتدا وان كان قليلا لان أصل معناه الطول والارتفاع . أي وقال الذين تولوا الجن من الانس في جواب الرب تعالى : يا ربنا قد تمتع كل منا بالآخر أي بما كان للجن من اللذة في اغوائنا بالأباطيل وأهواء الأنفس وشهواتها وبما كان لنا في طاعة وسوستهم من اللذة في اتباع الهوى والانغماس في اللذات . قال الحسن : وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الانس . وقال ابن جريج وكان الرجل في الجاهلية ينزل بالأرض فيقول : أعوذ بكبير هذا الوادي - فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة . ا ه ونقله ابن كثير عن ابن جرير بلفظ : وأما استمتاع الجن بالانس فإنه كان فيما ذكر ما ينال الجن من الانس من تعظيمهم إياهم في استعاذتهم بهم فيقولون قد سدنا الانس والجن . ا ه ومقتضاه أن المشركين من أهل الجاهلية يظلون يوم القيامة على خرافاتهم التي كانوا عليها في الدنيا إذ كانوا يخافون من الجن في أسفارهم ويستعيذون بعظمائهم من أذى دهمائهم . وهو مستبعد وأبعد منه اعتذارهم به للّه تعالى وأبعد منهما جعله هو المراد من الآية وهي عامة لجميع من استمتع من الفريقين بالآخر ممن كان يستعيذ بعظماء الجن وسادتهم من شرارهم في الأودية كعرب الجاهلية . وممن لا يعرف هذا من مصدق بوجود الجن وان لم يخف منهم ولم يستعذ بسيد من مسود . ومن مكذب بوجودهم أو غير مصدق ولا مكذب . فان كل انسي يوسوس له شياطين الجن بما يزين له الباطل والشر ويغريه بالفسق والفجور كما تقدم مفصلا « 1 » فان هذا الخلق الخفي الذي هو من جنس الأرواح البشرية يلابسها بقدر استعدادها للباطل والشر ويقوي فيها داعيتهما كما تلابس جنة الحيوان الخفية الأجساد الحيوانية فتفسد عليها مزاجها

--> ( 1 ) سبق ذلك في مواضع أشبهها بما هنا ما في ص 508 - 515 ج 7 تفسير